عبد الرحمن السهيلي

18

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

أن يؤدب ، حتى يشم نتنها ، كما فعل أبو موسى رحمه الله بالجعدي ، فلا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها والعقوبة عليها . جهجاه بن مسعود : وأما جهجاه فهو ابن مسعود بن سعد بن حرام ، وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن يأكل في معىً واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ، وهو كان صاحب هذه القصة فيما روى ابن أبي شيبة والبزار ، وقد قيل أيضاً : إن الرجل الذي قال فيه عليه السلام هذه المقالة ، هو ثمامة بن أثال الحنفي ، ذكره ابن إسحاق ، وقيل : بل هو أبو بصرة جميل بن بصرة الغفاري ، قاله أبو عبيد ، ومات جهجاه هذا بعد قتل عثمان رحمه الله ، أخذته الأكلة في ركبته فمات منها ، وكان قد كسر بركبته عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب بها ، وذلك أنه انتزعها من عثمان حين أخرج من المسجد ، ومنع من الصلاة فيه ، فكان هو أحد المعينين عليه ، حتى كسر العصا على ركبته ، فيما ذكروا ، فابتلي بما ابتلي به من الأكلة . نعوذ بالله من عقوبته ، ونستجير به من الأهواء المضلة . موقف عبد الله من أبيه المنافق : وذكر مقالة عبد الله بن أبي ، وأن ابنه عبد الله بن عبد الله استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه من أجل تلك المقالة ، وفي هذا العلم العظيم والبرهان النير من أعلام النبوة ، فإن العرب كانت أشد خلق الله حميةً وتعصباً ، فبلغ الإيمان منهم ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده ، تقرباً إلى الله ، وتزلفاً إلى رسوله ، مع أن الرسول عليه السلام أبعد الناس نسباً منهم ، وما تأخر إسلام قومه وبني عمه وسبق إلى الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة ، إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به ، لقيل : قوم أرادوا الفخر برجل منهم ، وتعصبوا له ، فلما بادر إليه الأباعد ، وقاتلوا على حبه من كان منهم أو من غيرهم ، علم أن ذلك عن بصيرة صادقة ويقين قد تغلغل في قلوبهم ، ورهبةً من الله أزالت صفة ، قد كانت سدكت في نفوسهم من أخلاق الجاهلية لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى ، وهو القادر على ما يشاء ، وأما عبد الله بن عبد الله ، فكان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان اسمه حباب ، وبه كان يكنى أبوه ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، مات شهيداً باليمامة رضي الله عنه ، وروى الدارقطني مسنداً أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على جماعة فيهم عبد الله بن أبي فسلم عليهم ، ثم ولى ، فقال عبد الله : لقد عنا ابن أبي كبشة في هذه البلاد ، فسمعها ابنه عبد الله ، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأتيه برأس أبيه ، فقال : لا ، ولكن بر أباك وذكر ابن إسحاق في هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغته مقالة عبد الله بن أبي : متن الناس يومهم ذلك ، ويروى مشى ، فأما متن ، فقال صاحب العين : يقال : ساروا سيراً مماتناً ، أي : بعيداً . ملاحة ومليح : فصل : وذكر جويرية بنت الحارث ، ووقوعها في السهم لثابت بن قيس ، أو لابن عم له ، ثم جاءت تستعين في كتابتها ، قالت عائشة : وكانت امرأةً حلوةً ملاحةً . الملاح أبلغ من المليح في كلام العرب ، وكذلك الوضاء أبلغ من الوضيء ، والكبار كذلك أبلغ من الكبير ، غير أنه لا يوصف الباري سبحانه بهذا اللفظ ، فيقال فيه كبار بمعنى كبير ، لأنه على بنية الجمع ، نحو ضراب وشهاد ، فكان لفظ الكبير ونحوه أبعد من الاشتراك ، وأدل على الوحدانية ، والله أعلم . وأما معنى : الملاحة ، فذهب قوم إلى أنها من الملحة وهي البياض ، تقول العرب : عنب ملاحي والصحيح في معن المليح ، أنه مستعار من قولهم : طعام مليح إذا كان فيه من الملح بقدر ما يصلحه ، ولذلك إذا بالغوا في المدح